تأتي أحداث غزة الأخيرة كحلقة من سلسلة طويلة من الأحداث ممتدة منذ عام 1984 وإلى إشعار آخر بعض منها مسبباته وأهدافه وطنية عروبية والكثير منها ينبثق من أجندات لا تمت بصلة للقضية الفلسطينية.
ويعلم كل ذي لب
أن هذه الأحداث ستنهي بعد بضعة أيام ويعود كل شئ إلى ما سبق باستثاء تعداد للخسائر والأرباح للفرقاء هنا وهناك.
وباستعراض سريع لنتائج هذه الزوبعة نستطيع أن نقيّم الوضع من وجهات نظر مختلفة وفقاً للآتي:
إيران:
الرابح الأكبر لأنها هي من تدير دفة الأحداث في (محور الممانعة) وظهرت الآن كداعم
وحيد لغزوة
غزة
التي (أرعبت الصهاينة وجعلتهم يختبؤون في الملاجئ كالجرذان) وكلنا شاهد إسماعيل عبد السلام أحمد هنية رئيس المكتب السياسي لحركة
المقاومة الإسلامية (حماس) على
شاشات التلفاز يشكر إيران بحرارة وامتنان على ما قدمته للمقاومة على هذا النصر
المؤزر.
كذلك
لا يمكن إغفال أثر هذه الأحداث على مسار التفاوض النووي في فيينا بين إيران والغرب
واستغلال إيران لهذه الأحداث لأقصى درجة أمام
الدول
الراعية لإسرائيل... وهي كُثر.
من جهة أخرى وهو الأهم: ارتفاع شعبية إيران في أوساط الشعوب العربية والإسلامية التي لها ظاهر الأمر فقط، حيث ظهرت إيران كداعم للحق والإسلام في مواجهة اليهود الغاصبين، وهذا سيزيد انتشار التشيع ونشر الرؤية لإيرانية المتطرفة وتوسع رقعة نفوذ ملالي قم..
حماس: عادت إلى الواجهة من جديد كمدافع أول عن الشعب الفلسطيني والأهم عن أولى القبلتين (القدس) وتدفقت -أو ستدفق- إليها الأموال من كل حدب وصوب، بعد أن تناسها العرب وكادت أن تضمحل، وهي في غاية الحبور وهي مزهوة بـ (النصرالعظيم) الذي تزعمه.
إسرائيل: كالعادة وقفت الحكومات الغربية -وكثير من الشرقية- مع إسرائيل الدولة المتمدنة التي تواجه منظمة مصنفة كإرهابية من قبل هذه الحكومات، كذلك حاول نتنياهو الظهور بمظهر الرجل الصارم بمواجهة (إرهاب حماس) الأمر الذي سيسطع بأثره على تشكيل الحكومة الإسرائيلية المتعثرة ودعم موقف نتيناهو فيها.
كذلك تمكنت إسرائيل من تصفية بعض العناصر المزعجة لها من الفلسطينيين وألحق اضراراً فادحة بالبنية التحية لغزة التي تصنف من حيث النتيجة كمنطقة (معادية) لإسرائيل وأي خسارة هناك مكسب لإسرائيل.
تبقى لدينا الأسد وحسن نصر الله من محور المقاومة وهؤلاء لا يقبلون إلا أن يظهروا هم بمظهر القادة والزعماء للأبطال المقاومين وعملت مكناتهم الإعلامية وأبواقهم المأجورة على إظهار هذا النصر العظيم المكمل لانتصار الأسد على الإرهاب الكوني في سورية، لكن الغصة كانت من خشية الأسد أن تتفاقم الأوضاع وتخرج عن السيطرة فتفسد (العرس الانتخابي) الذي يعيشه أنصاره بمناسبة إعادة انتخابه بشكل ديمقراطي مطلق وللمرة الرابعة... وللأبد.
الشعوب العربية المقهورة المغلوبة على أمرها فرحت فرحاً مصطنعاً فتوهمت بنصر من ورق يكذبه الواقع وتدحضه الأدلة المنطقية، فالقدس ما زالت سليبة؛ وغزة تهدمت والشهداء من الفلسطينين الأبرياء بالمئات، وحي الشيخ جراح انتهى أمره؛ بل أن هذه الأحداث حسمت المسالة لصالح إسرائيل ففي غبار هذه المعركة الهلاميةلم يعد هناك مجال للحديث إلا لتعداد الصواريخ والضحايا ومتى يقرّ وقف إطلاق النار.
وإن كان من نتائج إيجابية لم تكن بحسبان (محور الممانعة) فهي فرملة عجلة التطبيع العربي مع إسرائيل، -قلنا فرملة وليس إيقاف- وإيقاظ معضلة عميقة قد تؤرق إسرائيل وهي تحرك عرب الداخل، كذلك إعادة النظر في المنظومة الدفاعية وما يسمى (القبة الحديدية) ومدى نجاعتها فيما لو واجهت إسرائيل هجوماً أوسع نطاقاً بحيث لا تضطر إلى اللجوء إلى الخيار الصعب، وهو السلاح النووي.
انتهت القصة، وانزوى الفرقاء لتعداد أرباحهم وخسائرهم بينما بقيت هناك أم ثكلى تذرف الدموع بصمت على فلذة كبدها الذي بقي رقماً مجهولاً في نظر اولئك المتصارعون بحيث أنه لن يدخل في حساب الخسائر ولا الأرباح فدم العربي رخيص... بل لا قيمة له.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق