الثلاثاء، 4 فبراير 2020



"والدي العظيم" (بقلمي)



📍قال أبو منصور الأزهري:



" وعَظَمة الله لَا تكيف وَلَا تُحَدّ وَلَا تمثَّل بِشَيْء، وَيجب على الْعباد أَن يعلمُوا أَنه عَظِيم كَمَا وصف نفسَه، وَفَوق ذَلِك؛ بِلَا كيفيَّة، وَلَا تَحْدِيد ".



ونحن البشر نختلف في رؤيتنا ورؤانا بتحديد من هو عظيم؛ ومن هو وضيع؛ ومن هو بينهما...

فهناك عظماء يتفق عليهم كل البشر، أو الأغلبية الساحقة من البشر، ومثلهم: الأنبياء والرسل، وربما أولئك الذين أهدوا البشرية منجزات فذّة؛ كمن صنعوا الطائرات، والمخدر الطبي، والكتابة، ولقاحات الأمراض الفتاكة... الخ ما هنالك من اختراعات عظيمة.



كذلك هنالك عظماء لدى كل أمة يتفق على عظمتهم السواد الأعظم من أفراد هذه الأمّة؛ ومثلهم: الخلفاء الراشدين، وخالد بن الوليد، وكسرى أنو شروان، وهانيبال، ونبوخذ نصر، ونابليون، ومحمد الفاتح، والأسكندر المقدوني، وقائمة طويلة من اللآلئ التي طرزت سماء الحضارة الأنسانية.



بالمقابل نحن البشر العاديين لدى كل واحد مننا مثل أعلى يراه عظيماً، وحسبنا ذلك حتى لو اختلف معنا الآخرون...



فقد قالت العرب: "كل فتاة بأبيها معجبة" وهذا الأمر ينطبق على كل فتى لا شك!



ذاق مرارة اليتم طفلاً، لوعته الحياة يافعاً... ثم شاباً، قارع رياحها العاتية ليجد له سبيلاً لحياة حرة، كريمة، كما يفعل كل البشر.



لم يكن يملك الكثير من المال، لكنه كان سخياً، كريماً، يجود بما يملك، كان بيته البسيط مدهلاً للضيوف ولا يكاد يمر يوم إلا ولديه ضيف أو أكثر...



لم يكن يحمل شهادة، لكنه كان مثقفاً، حكيماً، لبيباً، حاضر البديهة، لديه مخزون مذهل من القصص والحكايات والحكم والمواعظ...



بالأمس فقط؛ عدت مريضاً من أصدقائي في منزله، وبعد ذلك بقليل دخل بضعة رجال، أعرفهم جميعاً معرفة كاملة ما عدا واحداً منهم؛ أسمر البشرة، ربع القامة، بجسم ممتلئ، ذو وشم صغير على الأنف (وسم البكار)



قلت له: لا شك أنني أعرفك؛ لكنني نسيت الاسم!

قال: وأنا كذلك.

قال آخر: قد يكون زميلك بالصف الأول الابتدائي.

قال هو: لا، لكنني أذكر تماماً اليوم الأول له بالمدرسة (ويقصدني أنا) واسترسل بالحديث...

– في شهر أيلول / سبتمبر تفتح المدارس أبوابها في بلادنا، حضر أولاد قريتكم للمدرسة، وكنت أنت طالباً جديداً، دخلت الفصل الدراسي (وكان حجرة واحدة لكل المراحل) وانتظر والدك خارجاً...



مضت ساعات طويلة وهو يقف على قدميه لا يبرح المكان، حتى نهاية الدوام الرسمي بعد صلاة الظهر حيث خرج الصبية فأمسك بيدك ورحل بصحبتك إلى قريتكم البعيدة.

هذا المشهد غاب عن ذاكرتي، ولم أذكره مطلقاً...



استنفرت الذاكرة، فوجدت نفسي وقد ذهبت برفقته إلى المدينة، وهناك في أحد شوارع المدينة كان المصور؛ جلست على كرسي خشبي صغير وأدخل المصور رأسه ضمن قطعة قماش سوداء تجلل آلة التصوير التي ترتكز على قوائم ثلاث، طلب مني إمعان النظر إلى دائرة صغيرة – عرفت بعد سنين أنها تسمى عدسة - وكرر القول: لا ترمش عينيك, ثم صدر صوت من الآله وانتهى الأمر, وبعد دقائق عدة شاهدت نفسي لأول مرة في الصورة!



عاودتني صورة تلك المدرسة، وقريتنا التي تبعد عنها سبعة كيلومترات تقريباً، حيث كنا نقصد المدرسة سيراً على الأقدام، وعلى الدواب، إن تيسر ذلك، تذكرت الدرب الترابي الطويل، و(شعيب الفيض) و (دار حمود) المسكونة بالأشباح!



زوادة الطعام الصغيرة المكونة من بضع تمرات وأرغفة خبز غالباً, تفاصيل صغيرة كثيرة اجتاحت ذاكرتي, وجوه, أماكن, تضاريس, العربة الصغيرة التي كان يصنعها بإتقان ابن عمي الراحل (إبراهيم) من الأسلاك المعدنية ويدسها في ركن آمن ليهرع إليها حال عودتنا من المدرسة, أسراب القطا الهائلة فوق (الثامرية), شجيرات (القعفور) ذوات الأزهار الصفراء, وشجيرات (الربحلى) ذوات الأزهار البنفسجية التي كنا نشاهدها في طريق عودتنا المختصر مروراً بـ (خربة الجويزع), تعرجات الطريق الموسومة في مخيلتي, أطراف الأفق البعيد هناك حيث السراب, والمجهول...



تراءت لي صورته، هناك حيث يقف بانتظاري، كما فعلت مراراً لانتظار أولادي في اليوم الأول من المدرسة، لكن في مكتب المدير، أو في سيارتي!



لطالما ارتحل من مكان لآخر رغم قسوة الحياة، فقط لنتمكن من إكمال دراستنا، لم يلتفت لأعباء الدهر، كان أمامه هدف واحد، وحيد: تعليم ابناءه.



كل الأطفال يرون في آبائهم مثلاً يحتذى، فالأب هو الأقوى، الأجمل، الأنبل، هو من يحملنا على كتفيه، هو من يأتي بالهدايا، وقطع السكر...

مع مرور الأيام تتغير تلك الصورة النمطية؛ وتعود النظرة الواقعية للأب كما هو عليه.



لا اختلف عن غيري من الناس، كان كذلك؛ لكن المختلف في الأمر هو أنني مع مرور الأيام، وسبر أغوار الذاكرة، وتحليل مجمل الظروف التي كانت محيطة، أراه كل يوم أكبر من اليوم الذي مضى، كل يوم هو الأنبل، الأروع...



لربما أنه لم يترك منجزاً عظيماً للبشرية، لكنه يبقى أبداً في روحي... والدي العظيم.

هناك تعليقان (2):