الثلاثاء، 9 أغسطس 2022

فيروز و"سوق الهال" … بين الواقعية والخيال!


"سوق الهال" كما هو معلوم في سورية هو السوق المخصص لبيع الخضار والفاكهةواللحوم وما إلى ذلك.


اتحدث مع جليسي الذي يطلق عليه الناس صفة "طيب وحبوب" عن الرحابنة وفيروز


وأسهب في المقارنة بين أسلوب "السهل الممتنع" الذي طبع كلمات معظم أعمال الرحابنةوفيروز من جهة، وبين التكلّف والصنعة في كثير من الألوان الفنية الأخرى، من جهة أخرى،وروعة وشاعرية وعمق وانتشار أغاني فيروز، مقابل حظ أقل من الشهرة لاولئك الذينبالطرف الآخر


أنظر يا صديقي؛ في أغنية "كيفك أنت" تذهل ببساطة كلماتها وكمية الحنان والحنينوالشجن التي تسكن ثنايا البساطة فترسل الخيال بعيداً


هل تعلم أن الحوار هنا ليس بين عاشق وحبيبته، بل بين أم وولدها، فيروز وزياد


يلوذ صديقي بالصمت… الصمت المطبق!

واستمرُ


لا ينطق بأية كلمة وأنا اعتقد أنه يستمع باصغاء لإبداء وجهة نظره


عجزت عن قراءة نظراته الصامتة كذلك، هل أقول عنها متمعنة متحفزة أم بلهاء غير مبالية!


استمر بالحديث… ويستمر صامتاً


وفي لحظة اختارها هو قاطعني قائلاً:


  • هل تعلم  إن البندورة بالسوق الشمالي أرخص منها بالسوق الشرقي!

ليس ذلك فقط… البقدونس تخيل… أرخص!

وأسهبواللحم… اللحم يا رجل أرخص من بعض الخضار


استمر بالحديث… وأنا في صمت مطبق!

بل؛ لنقل في حالة صدمة!


السؤالهل نعذره بالواقعية الكاملة… أم نضعه في قائمة الأحياء الميتين الذين عناهمبابلو نيرودا في قصيدته التي مطلعها:


يموت ببطء

ﻣﻦ  ﻳﺴﺎﻓﺮ... 

ﻣﻦ  ﻳﻘﺮﺃ... 

ﻣﻦ  ﻳﺴﻤﻊ ﺍﻟﻤﻮﺳﻴﻘﻰ... 

ﻣﻦ  ﻳﺠﻴﺪ ﺍﻻﻫﺘﺪﺍﺀ ﺑﻌﻴﻨﻴﻪ...


ﻳﻤﻮﺕ ﺑﺒﻂﺀ... 

ﻣﻦ ﻳﺼﻴﺮ ﻋﺒﺪﺍً ﻟﻠﻌﺎﺩﺓ... 

ﻣﻦ ﻳﺴﺘﻌﻤﻞ ﻛﻞّ ﻳﻮﻡ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ... 

ﻣﻦ  ﻳﻐﻴﺮ ﺃﺑﺪﺍً عاداته... 

ﻣﻦ  ﻳُﺠﺎﺯﻑ ﺑﺘﻐﻴﻴﺮ ﻟﻮﻥ ﻣﻼﺑﺴﻪ... 

ﺃﻭ ﻣﻦ  ﻳﺘﺤﺪّﺙ ﺇﻟﻰ ﻣﺠﻬﻮﻝ...


ﻳﻤﻮﺕ ﺑﺒﻂﺀ... 

ﻣﻦ ﻳﺘﺠﻨّﺐ ﺍﻟﻬﻮﻯ... 

ﻭﺯﻭﺑﻌﺔ ﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ... 

ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﻴﺪ ﺍﻟﺒﺮﻳﻖ ﻟﻠﻌﻴﻮﻥ... الخ القصيدة.


من عنيت شخصية افتراضية تواجهنا جميعاً، وليس شخصاً بعينه، اولئك الذين تجدأحدهم لا يشرب القهوة في الصباح لأنها مضرة بالقلب -وهي مفيدة للقلب والعقل أصلاًكما أثبتت آخر الأبحاثولا يستمع إلى الموسيقا، وبرأيه البيبسي والدونات مضرةبالصحة لاحتوائها على نسبة عالية من السكر -مع أنني قلت له أن الملكة اليزابيث تشربكميات مهولة من البيبسي كل يوم وهي تتمع بصحة جيدة وعمرها اقترب من قرن منالزمانومشاهدة الرياضة مضيعة للوقت والأفلام عبث والحديث عن التاريخ غير مجدي،ولا يحفظ شيء للمتنبي أو للسياب، ولم يسمع بابن لعبون والخلاوي ومظفر النواب، ولايعرف لوركا ويسمع بأن هناك كاتب "أجنبي" اسمه شكسبير، أما فيكتور هيجو فلم يسمعبه مطلقاً!


لا يستمع إلى أم كلثوم ولا يعرف من هي سارية السواس… لا يهزه صوت عبد الحليم حافظولا تتولد لديه رغبة بالرقص والجذل إذا ما سمع أغنية "ورني ورني" لعمر سليمان.


الربابة "تخلف" والكمنجة "مسخرة" برأيه الحصيف!


لا يتكلم بالسياسة لأن في ذلك خطر وتهلكة ومحاربة لطواحين الهواء، في هذا السياقتبديل جهاز الهاتف الخليوي تبذير طالما أن الجهاز القديم يفي بالغرض


شراء "الماركات" كارثة برأيه يستحق من يفعلها الحجر لسفهه، لباس الأجداد كذلك تخلفوتمسك بتاريخ بالي!


المناسبات الاجتماعية رياء ونميمة، "الوحدة أريح للراس" 

طبعاً لم يختلي ليكتب أو ليخترع؛ بل ليقابل زوجته على مدار الساعة ويتدخل في كلشاردة وواردة من ستائر المطبخ إلى لون الملفوف المناسب للسلطة… ولا ينسى أن يعرج عن"تحليل عميق" للمجتمع يكرره كل يوم لزوجته المسكينة التي تظنه "كانط" الذي عرفالعالم بفكره وخياله الرحب وهو لم يتجاوز حدود مدينته!


بالمقابل؛ هو غير ملتزم كلياً بالدين، ولا يقرأ للجاحظ أو للمنفلوطي ولا يهتم للمجلاتوالدوريات والمنشورات الثقافية الجافة والمتخصصة… ولم يصبح ثرياً، ولا حتى ميسوراًبالرغم من تقشفه التاريخي ليجمع قرشه الأبيض ليومه الأسود… وكل أيامه التي مرتسود!!!


السؤالهل قتله جائز!🤣😅


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق