من على شرفة منزلي المتهادي على سفح جبل في الطرف البعيد من القرية، جلستُ وحيداً، أرنو ببصري إلى البيوتات المتناثرة هنا وهناك وأمعن النظر في شرفاتها ونوافذها التي تطل جميعها باتجاه الفضاء الوسيع، لسبب ما لم أدركه حينها!
انسابت نسمات عذبة من فج الوادي المحاذي للجبل جلبت لعينيَّ النعاس وذهبت في إغفاءة عذبة.
– قم وانهض يا صديقي.
– من؟ سندباد!
- سأحملك معي وأمضي بك لنجوب مدن المعمورة نستكشف أسرار شرفاتها ونوافذها.
- ...
انطلقنا على بساط الريح في رحلة ماتعة لا تنسى.
على امتداد وادي حنيفة الذي يغوص في عمق الصحراء عانقت أشجار النخيل عنان السماء... لمحت فتى قمحي البشرة، جذاب، يمتطي جواداً أدهماً يسابق به الريح... وقف تحت إحدى الشرفات ونظر بحنو إلى الأعلى وشرع يغني:
يقول اللي يبي القمرا...
وهو في حبها مولع...
إمّا هيّ تنزله... ولّا هو لها يطلع!
بدا واضحاً أن أحداً ما لن ينزل... وعليه هو أن (يطلع) انطلقنا...
في دبي وقف شاب نحيل تركت الشمس آثارها على وجهه وهو يراقب بأمل ولهفة نافذة مزخرفة، بديعة، تطل من ركن علوي في عمارة تراثية جميلة...
يبدو أن الشاب قد أعياه الانتظار فشرع يدندن:
واقف على بابكم ولهان ومسير
اسأل على الي سأل محبوبي يا صغير
يومين مروا علي سنتين لو اكثر
ما قدرت يا منيتي عن شوفتك اصبر
هذا النصيب انكتب احب انا صغيرون
يحبني لكن هله يخاف لا يدرو
فضحتني يا هوى... تالي انكشف سرهـ
محدٍ درى بقصتي... والحين كل الناس
خليتني يا هوى اوقف على البيبان
من حرةٍ بالحشى من كثرة الأشجان
اطلت فتاة رقيقة، دقيقة الملامح، خمرية اللون من النافذة إياها واومأت إليه بخمارها مع ابتسامة عذبة؟
انطلقنا...
في الأردن؛ وعلى ضفاف نهر "الزرقاء" وقف شاب بملامح عربية خالصة، أشم، يمتطي جواداً مطهماً مزيناً بسرج مهدّب، يرقب بلهفة مجموعة من الفتيات اللاتي ملأن جرارهن وابتعدن عنه، بينما رمقته فتاة خمرية اللون دقيقة الملامح، نجلاء العينين، وابتسمت...
تنهد الشاب وانشأ يقول:
نزلن على البستان يا عنـــــيّد يا يابا
والله وحلن شعرهن
كل البنات نجوم يا عنيــــــــــد يا يابا
والله هي قمرهن
عيني وضي عيني
يا عنيد يا يابا
تسوى هلي وكل القرابا
يا عنيد يا يابا
أنا لما اشوف هواي يا عنيد يا يابا
والله ومقبل عليا
قلبي يقع بالقاع ياعنيد يا يابا
والله وتموت إيديا
لقعد بتال الليل يا عنيد يا يابا
والله واذكر وليفي
وبحجة الحلمان يا عنيدي يا يابا
أنا لابكي على كيفي.
في بيروت... فتاة بعمر الزهور... بل هي زهرة تمشي على الأرض، سبحت في بحر من الزهور والاخضرار الذي يغطي المدى، تتقافز ضفائرها الشقراء بحركة متناغمة على جيدها اللؤلؤي وتغني:
رح بتطل من الشباك...
الوردة تقول تفضل...
حمرا سطيحاتك حمرا كلها رفوفها عصافير...
خضرا طرقاتك خضرا راح بتلفك وتطير...
وشبابيك يا ضيعه مضوية ليل نهار...
كل شباك وفي حلوة وردة مليانة زرار...
يومتها الوردات كانوا عطر ولون...
ما كانوا حكايات.
انطلقنا...
من شرفة تطل على النيل أطلت فتاة ذات ملامح فرعونية بديعة سمحت للرياح أن تعبث بخصلات شعرها وهي تومئ لشاب اسمر أجعد الشعر كان يمر من هناك بقارب صغير، غنى:
بره الشبابيك غيوم... بره الشبابيك مطر
مالي خايف كده... خايف وحاسس بالخطر
ده حزن... ولا وتر
ده قلب... ولا حجر
ده دمع... ولا مطر!
انطلقت وأنا أغني:
أشوفك
والندى دمع يبلل وجنة الشباك
تشاور لي تعال ادفى بحضني عن براد الشوق
ولا مني مسحت دموع شباكي وعجزت ألقاك
أحس من البراد إن القزاز بعبرته مخنوق
على ضفاف شط العرب وقف شاباً أعياه الانتظار تحت نافذة المحبوب، وأسقط في يده، كيف الوصول:
فتوا على بابها عم تنقش الوردي
راس ابرته من ذهب وبريسمه الهندي
لدعي لرب السما ليته غدا عندي
وافرش فراش الهنا ومخدته زندي
يردلـــي... يردلـــي... سمرا قتلتيني
خافي من رب السما وحدي لاتخليني
انطلقنا صوب حلب الشهباء ونحن نستحضر قول أبو الطيب:
كلما رحبت بنا الروض قلنا حلبٌ قصدنا وأنت السبيل...
فتاة
موردة الخدين، ريانة القوام، تتبختر على شرفتها المرصعة بالورود، وقد مرَّ من هناك
شاب وسيم، أشقر الشعر، لمحها ومضى مبتعداً في لا مبالاة مصطنعة، حينها أنشأت
تقول:
آه يا حلو يا مسليني
يلي بنار الهجر كاويني
إملا المدام يا جميل و اسقيني
من كتر شوقي عليك مابنام
ومن الشباك لرميلك حالي... ومن الشباك لرميلك حالي
من كتر شوقي عليك مابنام ..
إلى الشمال؛ جهة القلب، قريباً من تخوم الوطن العربي، في مدينة الرقة، وعلى ضفاف الفرات الخالد ومع خيوط الفجر الأولى وبدء توافد (الورادات) إلى النهر؛ فتاة ممشوقة القد دعجاء العينين، افتر ثغرها عن ابتسامة ساحرة وهي تومئ بأطراف أناملها لشاب عبر (الجسر) وتدندن:
من فوق جسر الرقة
سـلّم عليّا بيـــــــــدو
ماقدرت أرد السلام
خاف يقولون تريدو
صدى صوت الفتى يقول:
يا بو قميص الحمريا دم الرعـــــــافي
سايم عليك النبـــــــــي لا تاخذ خلافي
وإن جاد ميتك كدر حدّر على الصافي
وإن جاد ما بو قــــــــدح ترويك بيديه
أحسست بوكزة على خاصرتي اليمنى... فتحت أجفاني فإذا بوالدي يلوح بعكازه:
- قم قم... الحق دوامك قبل زحمة "طريق خريص".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق