الاثنين، 30 أغسطس 2021

نعم كنت مرتشياً... ولثلاث مرات!

لا أنزّه نفسي؛ ولا أتهم غيري، لكنني أحسب نفسي كنت عفيفاً لم أخالف ضميري يوماً، ومبعث ذلك الخوف من الله أولاً، ثم عزة النفس وشعوري بأن المرتشي سيكون ضعيفاً ذليلاً صاغراً أمام من يرشوه، ولطالما آلمني منظر مرتشٍ ما وهو يلج إلى منزله يحمل بيديه أمتعة لأهلة أو هدايا لأولاده أو دواء لأمه... من أموال الناس؛ وأحدّثُ نفسي: كيف هو شعوره الآن وهو يقدم قطعة سكر لطفله وهو يعلم أنها من مال حرام!!!
 وقد يكون لكل امْرِئٍ قصة لا يعلمها إلا الله، ولربما وجد لنفسه عذراً ما؛ ولا شك بأن اللطيف الخبير وحده هو عالم السرائر… وقد ينظر إلينا اولئك المرتشون ومن يسير بركبهم على أننا سُذّج ومغفلون وغير واقعيين! 

 الرشوة الأولى: كانت لدي سيارة وزميلي وصديقي (س) لم تكن لديه سيارة، وكان يستعير سيارتي مرات كثيرة بحكم الصداقة والزمالة… وكما يعلم الجميع فالوقود في بلادنا كان غالياً جداً ومرهقاً لميزانية ذوي الدخل المحدود من أمثالي، وهذا السبب حدا بصديقي المذكور (ج. ح) أن يهبني (قسيمة وقود) بقيمة (500) وحدة نقدية كان قد أعطاها له أحد اصدقاءنا المشتركين ممن تخصص لهم مثل هذه القسائم، ولكن في دائرة حكومية أخرى، هذه القسيمة توزع عادة من الحكومة، أي أنها من الأموال العامة، ونحن بالمحصلة موظفون عموميون، وبذلك يشرعن كثير من الزملاء هذه القسيمة ويصنفونها بأنها (حلال زلال). قلت لنفسي استبدلت كثير من السيارات؛ ليس من باب البطر وإنما لأنني كنت اشتريها بالدين، أو تكون من غير ذات البلد فاضطر لإخراجها، وكل هذه السيارات لم يدخلها قطرة (بنزين) واحدة من القسائم، فكيف ألوث هذا السيارة بهذه القسيمة التي لن تغنيني!!! عزمت على ألا استعمل هذه القسيمة إلا إذا وصل الأمر معي -ومع السيارة- إلى الخط الأحمر، وحصل ذلك! وقفت أمام عامل المحطة وطلبت من العامل أن يعبئ كمية من الوقود مقابلة لقسيمة، أي (500) وحدة نقدية، وانشغلت بمكالمة هاتفية فلم انتبه إلا وعداد المحطة على الرقم (1500) فاعتقدت أن العامل سمع بالخطأ وأنني وقعت في موقف محرج! لكن العامل أشار لي بأن شخص ما دفع الحساب وهو ذاك الذي يقف هناك يبتسم، وإذا به أحد أقاربي ووالد صديقي وبمقام عم لي. حينها ودون تردد أعدت القسيمة لصاحبها وحمدت الله أن عوضني عنها ضعفين ودون ريبة.

 الرشوة الثانية: في بعض مواسم الصيف نهرب بأنفسنا إلى بضعة أيام من الترفيه نستعد لها طيلة أيام السنة، حيث نسافر بالأولاد إلى المناطق التي تصنف على أنها سياحية، وهنا نصحني بعض الأصدقاء بأن أوفر ما سأدفعه ثمناً لوقود السيارة بحيث آخذ بعض قسائم (البنزين) من الأصدقاء الذين لديهم مخصصات... اثنين من أبناء عمومتي (ف. م – أ. م) كانا من هؤلاء الذين أنعم الله عليهم؛ أخذت منهم قسائم بقيمة (4000) وحدة نقدية، واستعرت سيارة ابن عم لي ثالث (أ. ب) وسافرت... تعطلت؛ السيارة فقمت بإصلاحها وقد كلفني ذلك فقط... (4000) وحدة نقدية!!!

 الرشوة الثالثة: مرَّ عليّ بمكتبي في البلدة الحدودية التي كنت أداوم بها في سنوات عملي الأولى "فهد الرعوجي" وهو من أقاربي ووالد أعز اصدقائي، كان قادماً لمراجعة (المصرف الزراعي) وعرّج لإلقاء التحية والاطمئنان عن أحوالي... وبعد أن احتسى القهوة قمت بتشييعه إلى الباب فأخرج مبلغاً من المال –اكتشفت لاحقاً أنه (3000) وحدة نقدية- دسه في جيبي عنوة، وعبثاً حاولت منعه وأنا أقطر خجلاً وكأن نصف سكان الكرة الأرضية يتفرجون عليّ، قال لي: (هذي خرجية يا بناخي معاشك ما يكفيك). 

 مرت الأيام، وتوالت السنون، وتفرق الإخلاء، وأصبحت هذه الحوادث؛ والأحاديث جزء من ذاكرتنا، لكننا ننظر إليها الآن بكثير من التجرد، كثير من الواقعية، كثير من الصفاء... 
 ما زلت بحاجة لقسائم كثيرة في هذه الحياة، قسائم نقية من أنقياء، أو قسائم أصنعها بنفسي لتعينني على نوائب الدهر، لم أندم أبداً من "سذاجتي" تلك التي كان يراها المرتشون، هذه السذاجة التي جعلتني أخرج من بلادي بتذكرة طائرة تسلفت ثمنها من صديقي (ر. هـ) مديناً لا أملك بيتاً ولا مركبة، ولا حتى عقال بعير، وما زالت هذه الرؤى ترافقني ومعها مصاعب جمّة في هذه الحياة التي اكتشفت مبكراً أنها بحاجة لكثير من إراحة الضمير -بتنويمه إلى حين- وإلى أن يكون المرء ذئباً كي لا تأكله الذئاب، وشاطراً و(حربوق) و(يدبر نفسه) ووو... الخ، لكنني ما زلت كما كنت ذلك الساذج البدوي؛ البسيط! 


لم أكن أياً مما سبق، ولن أكون، ليس فقط لأنني لا أريد؛ بل لأنني كذلك لا استطيع، هكذا هم البشر منذ بدء الخليقة، مختلفون ومتمايزون، تختلف لديهم مقاييس النجاح والمجد، بين ذاك الذي يقول (إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب) وذاك الذي يقول كما يقول صديقي الشاعر "عوض الظامي":

 ‏المجتمع لو يشـوف الطيب...    ما دوّر بغيرك النومــــــــــــاس
يا اللي بساطتك صارت عيب...    خلك كذا يا رفيـــــــــــع الراس 
‏وان قالوا النـــــــاس خلّك ذيب...     ‏قل خلكم يا الذيابـــــــة نـاس! 

لكن الدرس الأكيد الذي تعلمته -ولم أعمل به- من هذه الحياة هو أنك "إن أردت شيئاً فخذه؛ فلن يعطيك إياه أحد".

 جمعة الدبيس العنـــــــــزي
 JomaaAlanzi @

هناك 9 تعليقات:

  1. ليست غريبة عليك والكل يشهد لك ب نزاهتك ونظافتك

    ردحذف
  2. دام عزك أبو خالد الحر الشهم الغيور وتاريخك يشهدلك بالعفة والنزاهة

    ردحذف
  3. شهادتي بك مجروحة والأرواح النقية تلتقي دائما .. فقد كنت ومازلت بنظر الكثير ممن عرفوك بإن البساطة ودماثة الأخلاق هي عنوان جمعة الدبيس ومن عرفك عن قرب أكثر يعرف كم أنت نزيه وبعيد كل البعد عن شبهة الرشوة وووو وهذا فيض من غيض وكل ما يكتب بك من كلام طيب فأنت أهله ولا نزكيك على الله .. اطال الله بعمرك وأعانك على نوائب الدهر وسهل أمرك وفرج همك نجح مقاصدك

    ردحذف
  4. ما كتبته سابقا ما هو إلا القليل ومن يود الحديث بشمائلك فقد يحتاج حقيقة لأوراق عديدة ..
    أخوك رمضان العبار

    ردحذف
  5. ما أجمل تلك السذاجة التي جعلتك تخرج مرفوع الراس مرتاح البال حيّ الضمير..
    ترجو من الله مالا يرجون أولئك الذئاب...
    تحياتي

    ردحذف
  6. كل المودة لحروفكم التي تقطر نقاءً

    جمعة

    🌸🌸🌸

    ردحذف
  7. الله يعزك بعزه ويطول بعمرك ويديم عليك الصحه ويسترعليك بالدنيا والأخره وييسرامورك ويرزقك من حيث لاتعلم

    ردحذف
  8. مشهودلك بطيب تعاملك ومساعدتك للاقارب وغيرهم من الناس مشهودلك بنزاها عند المجتمع الشرقي بل الاجمع

    ردحذف