خواطر قضائية (2)
🦋نسـمة.
كنتُ رئيساً للنيابة العامة وقتها؛ وبتلك الليلة داومت وحيداً في القصر العدلي حيث مناوبتي الدورية للأمور الطارئة والشكاوى المستعجلة…
أحضر لي الشرطي "معروضاً" يتضمن شكوى من امرأة ضد جارها الذي تجاوز واعتدى عليها بالضرب وعلى وزوجها بسبب خلافات تحدث عادة بين الجوار لسبب أو لآخر فيغيب المنطق والمساعي الحسنة ويلجأ البعض للعنف والتنمر…
قرأت الاسم "نسمة"
قفز قلبي؛ اجتاحني شعور هو مزيج من الفضول والحنين والشوق… واللهفة!
كل ذلك كان مغلفاً بستار صارم من الواجب الأخلاقي والالتزام المهني…
لكنه أبى إلا أن يخفق… ذاك قلبي!
بالأصل؛ لم أكن أعرف اسم عائلتها كما هو بسجلات الهوية، ولا حتى اسم والدها ربما… لكنه حينها أخبرني أنها "هي" مرة أخرى… إنه قلبي.
وأعود بذاكرتي إلى سنين خلت سبقت ذلك الموقف…
قلت لصديقي حينها: أراهن أن اسمها نسمة!
قال: وكيف ذاك!؟
قلت: يجب أن يكون اسمها "نسمة" هذا الوجه الملائكي؛ وتانك العينين الساحرتين، وهذه الملامح الآسرة وتلك الجاذبية الأخّاذة لا يليق بها إلا أن تجتمع في فراشة اسمها "نسمة"
وكان ذاك، بعد أيام من ذلك الحوار تبين لي -ولصديقي- أن اسمها كما خمّنتُ!
كالعادة؛ طلبت من الشرطة إدخال صاحبة الشكوى…
"انسابتْ" إلى مكتبي، ومعها رجال الشرطة…
إنها هي؛ صحيح أن كل شيء تغير إلا عيناها… لكنها هي!
اقتربتْ من أن تكون أميْل إلى البدانة، وهي التي كانت هيفاء رشيقة كعود خيزران…
ملابسها متواضعة بسيطة؛ بل أقرب إلى الرثّة…
وجهها مخطوف بشكل مفزع بالرغم من احتفاظه بملامح حُسن عاندت الزمن…
طلبت منها أن تجلس…
جلستْ وعيناها تائهتان حائرتان…
لم تبادلني النظر…
هي امرأة في النهاية، وتقف أمام قاضي وفي محكمة، وعدة رجال من الشرطة متواجدون هناك، وفوق ذلك كانت في حالة انفعالية لمرورها بضغط نفسي عقب خلافها وزوجها مع الجار المشكو منه…
الأكيد أن رهبة المكان أخذت منها كل مأخذ.
بقيتْ صامتة لا تنظر إليّ، وكذلك أنا، لكنني أمعنت النظر…
شاحبة، شفتاها اللتان كانتا كزهرة جُلنار يانعة، ذبلتا كما لو أنها عبرت صحراء قاحلة في صيف لاهب…
ثوان معدودة كانت كافية لاستنفار الذاكرة…
رحلتُ على جناح سحابة إلى أيام شبابي… وصباها
كانت أقرب لطفلة، وكنت أقرب لرجل…
حافظتُ على هذه المسافة، فكانت علاقتنا شفافة طاهرة…
أراها كل صباح في غدوتي إلى دوامي بنقابة المحامين بالرقة…
تنتظرني هناك على باب دارهم، وكنت أمّر حتماً من حارتهم…
حتى الآن لا أعلم؛ أهو التخطيط العمراني للشوارع من يجبرني على المرور أمام بابهم؛ أم أنني اتقصد ذلك!
مدري هي الصدفة لدربي تجيبك!
ولّا أنا اللي… عن دروبك تحرّيت!؟
تغمرني بابتسامة مشرقة كنور الصباح، ويفتر ثغرها القرمزي عن أسنان بيضاء ناصعة كالثلج…
تحتويني بنظرات آسرة من عينيها الساحرتين… وأمضي قدماً، حسبي ذلك!
في طريق عودتي كذلك تنتظرني، هل هي من تعرف متى سأعود، أم أنا الذي أعرف متى تقف بالباب!
سؤال لم أجد إجابته حتى الآن…!؟
طريق العودة يمر بها، كل الدروب تأخذني إليها…
أدلْ بيتك دون وصف(ن) وعنـــوان
وشلون اضيّع سكة(ن) وسط قلبي!
يحدث أن تتصل بي عبر الهاتف الثابت؛ لم يكن ثمة هواتف نقالة حينها، ويبقى الأمر كما هو… أنت تتعامل مع فراشة.
أخيراً؛ التقت عينانا…
ذُهلتْ… تسمرتْ؛ ثم وثبتْ من مكانها وبما يشبه الصرخة المكبوتة الممزوجة باللهفة قالت: فلان!
هكذا؛ ذكرت اسمي المجرد بدون ألقاب ولا مقدمات ولا تبجيل ولا تكليف…
سقط كل ذلك أمام الفطرة وأصل الأشياء…
شعرتُ بشيء من الحرج وأنا أشاهد الجميع يحدق بها باستغراب؛ رجال الشرطة، والساعي، ولربما بعض الناس ممن ينتظرون معاملاتهم.
هي لم تنتبه لكل ذلك وغردت منفردة وكأنها في فلاة…
حين افترقنا منذ سنين مضت… هي لا تعرف أين سرتْ بي الليالي، وأنا لا أعرف ماذا فعلت بها الأيام…
وعندما جاءت للمحكمة بتلك الليلة كان آخر ما تتخيله هو أن أكون أنا القاضي!
لا حاجة لأن أكمل؛ عادت إليّ شخصيتي المهنية وسارت شكواها مثل كل الناس وراجعتني في الأيام التالية بضع مرات هي وزوجها…
بالتأكيد لم يتعد الحوار بيننا حدود السلام وبحضور زوجها وبمنتهى العفّة والأدب…
آلمني أنها كانت بتلك الحالة، لا أعرف فيما إذا كانت سعيدة بحياتها أم لا، لكن مجمل الظروف المحيطة تشير إلى أنها لم تكن كذلك…
وتمضي الأيام، وتدهمنا صروف الليالي…
ونرحل بعيداً إلى أقصى الأرض…
هناك؛ في ذاكرتي البعيدة ما زالت تلك الطفلة… الفراشة الزرقاء؛ تنتظر وحيدة على دروب القوافل… علّني أمرُّ ذات صباح!📍




