خواطر قضائية (1)
- أحضرت الشرطة المتهم…
ذلك الذي بدا بائساً؛ مشوشاً، تائهاً، شارد الذهن، في هيئة رثّة مزرية، حالته تلك تنبئ أنه في العقد الخامس من العمر…
اسمه مأخوذ من اسم أحد الأشهر الهجرية، تهمته "التنقيب عن الآثار واخفاؤها" وما إلى ذلك…
توليت القضية عندما كنت قاضياً للتحقيق في مدينة "الرقــة" وكان زميلي وصديق عمري الذي قضى وعائلته بالزلزال؛ المرحوم "خلف حسن أحمد" وكيلاً للنيابة العامة، والقضية متداولة بيننا بحكم التخصص وتوزيع العمل…
المتهم "س" زعم أنه مريض نفسي وأجاد الدور تماماً…
شخصياً لم أشك لحظة واحدة بأنه مريض، وكان لدي يقين شبه كامل بأنه يدعي المرض للإفلات من العقاب…
بالمقابل؛ لم أكن أراه مجرماً…!
وإليكم الحكاية:
"في حي شعبي فقير ومتواضع بمنطقة الصناعة بالرقة كان يعيش وأسرته، هو في المدينة لكنه يسكن في دور من الطين… تصورا ذلك!
مؤسسة المياه قامت بحفريات بالحي لضرورة تمديدات شبكة المياه والصرف الصحي…
في صباح أحد الأيام السعيدة في حياته طلب من طفلته الصغيرة أن تجلب قليلاً من الطين من حواف إحدى الحفر ليقوم بصيانة جدران منزله الطيني المتآكل…
ذهبت الطفلة وغرفت الطين بإناء وعادت لوالدها الذي بدوره أفرغ محتوى الإناء في المكان المناسب ليقوم بـ(تلييس) حائط داره… وكانت المفاجأة!!!
لمعت قطع ذهبية اللون تحت أشعة شمس الصباح الساطعة في ساحة المنزل الشعبي المتواضع!
تحسس الأمر فوجد عدداً من القطع الذهبية المدورة التي تشبه شكل العملة من حيث المبدأ، وهذا أمر لا يحتاج إلى عين خبيرة…
هرع إلى نفس المكان حيث أحضرت طفلته الطين وجلب ما استطاع من هذه القطع، والكمية يعلمها الله وحده… والمتهم "س"!
أخفى الأمر أشهر عدة خوفاً من الحكومة والناس واللصوص والحساد وكل شيء!
بعد ذلك وفي لحظة رأي فيها أن الوقت قد حان قام ببيع قطعة واحدة بمبلغ (50،000) خمسون ألف ليرة سورية، وكان متوسط راتب الموظف حينها عشرة آلاف ليرة سورية.
وهكذا باع قطعة ثم أخرى عن طريق أحد معارفه، وبالتأكيد لم يبع كل مالديه…
لانعدام خبرته وسوء حظه وصل الأمر إلى أحد المخبرين فوشى به للشرطة"
وهنا تم القاء القبض عليه ومصادرة ما قال أنه "كل ما وجده" من تلك القطع، وبعد التحقيق معه تم تقديمه للقضاء.
قمنا بعرض القطع الذهبية على لجنة خبراء فنية متخصصة في دمشق وكانت النتيجة
(دنانير ذهبية من العهد الأموي لا تقدر بثمن)
نعم يا سادة؛ هكذا "لا تقدر بثمن" نظراً لقيمتها الأثرية التاريخية، ولكونها مصنوعة من الذهب الخالص!
قمت بعرض المتهم على لجنة طبية لتقرير مدى سلامته العقلية وحدود مسؤوليته عن تصرفاته؛ وكما توقعت كانت النتيجة في صالحه!
وحيث أنه من المعمول به عرفاً في قضاء التحقيق أن "الشك يفسر ضد المتهم" ويبقى لمحكمة الموضوع تقرير إدانته أو براءته على ضوء الأدلة والبيانات، وهنا يتم تفعيل قاعدة "الشك يفسر لصالح المتهم"
قياساً على ما سبق قررت إحالة المتهم لمحكمة الجنايات إعمالاً للنص القانوني… وانتهى دوري.
بعد شهور عدة كنت وصديقي المرحوم القاضي "خلف" بسيارته الـ(بيجو) الرمادية بالقرب من دوّار الساعة بالرقة، وفجأة أوقف صديقي سيارته وأشار إلى طرف الشارع وقال:
- أنظر هناك… ماذا ترى!
فماذا شاهدنا!؟
نعم كما توقعتم يا سادة؛ بطل القصة "س" ومعه طفلته يقطع الشارع!
كان في هيئة تختلف تماماً عما كان عليه؛ عاد شاباً أنيقاً مهندماً بحلة فارهة، متزناً طلق المحيا وبدت "النعمة" على محياه…
كنت واثقاً من سلامته العقليه، وواثق أيضاً أنه سيتدبر أمره ويغدو -على الورق- سقيماً مختل الشعور فاقد الأهلية!
كذلك كنت سعيداً بأن نال هذا الشخص حريته وتنعم برزق ساقه الله له…
أحكام الكنز في بلادنا؛ ثلث لصاحب الأرض وثلث للدولة وثلث لمن يعثر عليه، إلا إذا كان ذو قيمة أثرية فيمسي بالكامل للدولة ويستحق مكتشفِه مكافأة بسيطة.
لا أعرف أين أمسى "س" الآن وأنا حقاً لم أعد أذكر اسمه كاملاً، ولا حتى ملامحه…
قد يكون أحد أحفاد بني أميه فناله بعض مما تركوا من إرث عظيم، والأكيد أن الرزق من الله وحده مقسم الأرزاق الذي كتب لهذا الفقير أن يصل من خلال إناء طين إلى "كنز" لا يقدّر بثمن!📍

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق