السبت، 10 سبتمبر 2022

📌 لن أنسى هؤلاء!



لا يسع المرء أن يقيس ويوازن الأفعال وردود الأفعال التي تمر به في محيط الأهلوالاصدقاء والجيران والمعارف لأن العلاقات هنا تكون متشابكة ومعقدة بمعنى ما؛ تحكمهاروابط الدم والعشرة الطويلة والخبز والملح والمصالح المتبادلة، وعلى ذلك لن اتطرق هنالكل ما سبق، وسأذكر هنا مواقف عابرة تعرضت لها مع أشخاص غرباء تركت أثراً فينفسي واظهرت لي أن "الدنيا ما زالت بخير".


🍺الأولاليونانية الثملة:


في مطار Stansted "ستانسد" في لندن وأثناء رحلتي إلى أمريكا حصل إشكال فيحجز تذكرة السفر، بحيث تعذر عليّ السفر بذات التذكرة لوجود خطأ مسبق في الحجز،وفاتتني الرحلة واسقط في يدي والوقت يمر سريعاً ويتوجب علي أن اسافر بذات اليوم

أعيتني الحيلة؛ وبعد مزيد من الاستفسار والتحري ومحاولة إيجاد حل لمعضلتي دونفائدة؛ خرجت لأدخن سيجارة وافكر بما سيأتي

في المكان المخصص للتدخين أمام صالة المطار كان هناك أشخاص مختلفون في المظاهروالأعمار والأجناس

اقتربت مني امرأة ثلاثينية وبدت راغبة في تجاذب أطراف الحديث معي

بالكاد عرفت أنها "يونانية" فاللغة المشتركة بيننا هي "الإنجليزية" وكلانا كما يبدو لايتقنها -وبالذات أناوأدركت كذلك أنها كانت ثملة إلى حد ما بسبب تعاطي المشروب؛لكنها كانت مدركة تماماً للمحيط؛ ومتزنة

بصعوبة أوصلت معاناتي لها وأنني "سوري"؛ وحالاً أمسكتني من يدي فتبعتها مذهولاًإلى الداخل

وهناك بحثتْ بلهفة عن المسؤول وانتقلتْ من موظف لآخر وهي تجري  مسرعة ممسكةبيدي، وجادلتهم بشدة وإصرار لحل مشكلتي دون جدوى

وهنا انطفئ هاتفها المحمول بسبب الشحن فهرعت تبحث عن مصدر للطاقة لإكمالكفاحها لأجلي

ولكوني في بلاد غريبة والموقف حساس لا يحتمل الأخطاء والوقت من ذهب لا يحتمل مزيدمن الهدر غافلتها فـ"هربت" لا ألوي على شيء… وأضعنا بعضنا في الزحام!


🦋الثانيالبريطانية صومالية الأصل:


في مطار "هيثرو" في لندن كنت أسابق الزمن لإجراء فحص "كورونا" قبل موعد إقلاعالطائرة لأن بلد المقصد يلزم القادمين بالفحص خلال "24" ساعة، ولن أعيد معاناتيبسبب اللغة فقد وصلت إلى المختبر فوجدت طابوراً طويلاً من المنتظرين

وكان يتوجب عليّ أن ادخل إلى موقع وزارة الصحة البريطانية وأسجل بياناتي فيظهر ليكود اقدمه للموظف لتثبيت الموعد واجراء الفحص… الخ

وهنا ظهرت لي فتاة بريطانية صومالية الأصل؛ شرطية في المطار نفسه ومسؤولة عنتنسيق عملية الاختبار المذكور

كانت في غاية البهاء والأناقة قمحية البشرة ممشوقة القد كاملة الأناقة!

حينما شرحت لها قصتي وعلمت أنني "عربي" تعاطفت معي إيما تعاطف ووعدتنيبإنهاء الأمر خلال دقائق

ووفت بما وعدت فخلال دقائق أجريت الفحص ووصلتني رسالة على بريدي الإلكترونيوهذا هو المطلوب

شكرتها بامتنان بلغتي المكسّرة وأخرجت محفظة نقودي فبدت عليها علامات التساؤل!!!

ماذا سيفعل هذا العربي هل يفكر بأن يرشوني في مطار لندن!

لكنني أخرجت "كرت التعريف" الذي يحتوي على معلومات الاتصال فقدمته لها وأنا أعلمبأنها لن تحتاجني يوماً

تناولته بحبور فعاودت شكرها مرة أخرى وودعتها… للأبد ربما!


🌴الثالثالعراقي أبو أحمد ناجي:


في مطار "هيثرو" نفسه كان مطلوباً مني دفع "80" جنيه إسترليني مقابل أجرةحقيبتي؛ فحاولت الدفع بالفيزا التي معي فلم أفلح لخطأ تقني غير متوقع، عرضت علىالموظفة الدفع نقداً "كاش" فلم تقبل، وكالعادة كُتبَ عليّ في هذه الرحلة أن أسابق الزمن؛فقد أزف موعد الطائرة وكان علي إما المغادرة بدون أمتعتي أو الدفع عن طريق الـ(فيزا)!

هنا ومن حيث لا أدري شاهدت رجلاً يدخل بطاقته الخاصة "الفيزا" في الجهاز المخصصفيخرج إيصال يقدمه لي يبين أنه تم الدفع!

متوسط العمر؛ أنيق، طلق المحيا وبدا واضحاً أنه "ابن نعمة"

  • أنا أبو أحمد ناجي؛ من العراق، كنت أشاهد ما يدور بينك وبين الموظفة… قال لي.                                                   لم اسأله كيف دفعت وأنت لا تعرفني لأنني أعرف الجوابالوحيد وهو أنه "شهم" فقط شكرته وعرّفته بنفسي ودفعت له المبلغ نقداً وتوادعنابأمل اللقاء في مكان ما من هذا العالم "الصغير".


🌼الرابعمحمد في حدود الشمال:


في الحدود الشمالية وفي موقف صعب حيث المجهول، وحيث أن المرء يشعر بأن كل"عربي" أو حتى مشرقي غير عربي هو "ابن عمه" أو صديقه المقرب، وفي وسط زحام منالناس ضم كل جنسيات الأرض؛ كنت أبحث عمن أبادله أطراف الحديث واستفسر عنالقادم وعما سيكون وإلى أين سنذهب وما ذا يجب أن نفعل!!!

"محمد" صومالي يتحدث العربية بصعوبة، وأنا وهو نتحدث الإنجليزية بصعوبة… كانهناك!


سبقني ببضعة أيام إلى المكان؛ وكانت لديه الكثير من الأجوبة عن تساؤلاتي


باللغة الثالثة التي اخترعناها أنا وهو كنا نتسامر

كان يشعر أنه مسؤولاً عني بحكم الأيام القليلة التي سبقني بها، يحاول أن يقدم لي شيءمن طعامه وشرابه -وأنا لست بحاجةوعرض عليّ المال لو رغبت -وكذلك أنا لست بحاجةوأنا واثق بأنه لا يملك الكثير

كنت افتقده كثيراً إذا ما غاب، وكان يبتسم ببشاشة وصدق حينما أحضر

أيام قليلة مرت هناك كأنها الدهر كله، تيسرت أموري وغادرت؛ لكنه بقي هناك لوجودتعقيدات جمّة في ملفه… لا أعرف أين هو الآن؛ لكنني بحق مشتاق إليه كشوقي لأعزالناس، وكل ما أملكه هو الدعاء له من قلب صادق بأن يحظى بحياة كريمة تليق به.


مواقف بسيطة لربما؛ لكنها بالغة الأثر لمن يعيشها، وتؤكد لنا حقيقة يجب ألا نغفلها؛


رغم أننا نعيش في عالم ظاهرة متوحش… لكن "الدنيا بخير".📍

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق